مناهضون

حركة رواد النهضة لتحرير الأحواز

مكتب الإعلام

تقارير

تشريح العقيدة الصاروخية الإيرانية: من هندسة «المدن الصاروخية» تحت الأرض إلى تآكل الردع في المواجهة المباشرة

مناهضون

 

 

على مدى أكثر من أربعة عقود، قُدِّم البرنامج الصاروخي الإيراني بوصفه العمود الفقري للعقيدة العسكرية للجمهورية الإسلامية وأهم أدوات الردع الاستراتيجي في مواجهة التهديدات الخارجية، ولا سيما في الصراع مع إسرائيل.

 

غير أن هذه المنظومة المعقدة، التي شُيِّدت بسرية بالغة واستثمارات هائلة داخل ما يُعرف بـ«المدن الصاروخية» المنتشرة في أعماق الجبال والصحارى الإيرانية، تواجه اليوم تحديات وجودية ونقاط ضعف استراتيجية غير مسبوقة، عقب جولات المواجهة العسكرية المباشرة وتبادل الضربات الصاروخية خلال السنوات الأخيرة.

 

يستعرض هذا التقرير، استنادًا إلى معطيات استخباراتية وصور أقمار صناعية ومراجعة للتطورات التاريخية، البنية الجغرافية والعسكرية لهذه المنشآت، ومسار تطورها، وحجم الأضرار التي لحقت بها في ظل المتغيرات الميدانية الراهنة.

 

 

النشأة والتطور: من غنائم الحرب إلى «جهاد الاكتفاء الذاتي»

تعود جذور البرنامج الصاروخي الإيراني إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية، عندما واجهت طهران نقصًا حادًا في القدرات التسليحية بعيدة المدى. آنذاك، اعتمدت على الهندسة العكسية لصواريخ «لونا إم» السوفيتية، إلى جانب شراء أعداد محدودة من صواريخ «سكود-بي» من ليبيا وكوريا الشمالية.

لكن التحول الاستراتيجي الحقيقي بدأ في يوليو/تموز 1991 مع تأسيس «منظمة جهاد الاكتفاء الذاتي» التابعة للحرس الثوري. وقد أوكلت إلى هذه المؤسسة، التي عملت خارج الأطر البيروقراطية التقليدية للقوات المسلحة، مهمة بناء قاعدة صناعية عسكرية محلية عبر الاستفادة من شبكات نقل التكنولوجيا والتعاون مع كوريا الشمالية والصين وبعض دول الكتلة الشرقية السابقة.

وبرز في هذا المشروع عدد من الشخصيات المحورية، أبرزهم حسن طهراني مقدم، الذي يُعرف داخل الأوساط الإيرانية بـ«أب البرنامج الصاروخي»، حيث كان الهدف المعلن وغير المعلن يتمثل في إنشاء قدرة هجومية توفر ما يُعرف بـ«الضربة الثانية» وتشكيل تهديد استراتيجي ضد إسرائيل.

 

مشروع عابر للحكومات: استمرارية سياسية في خدمة التوسع العسكري

تكشف مراجعة مسار بناء المدن الصاروخية أن المشروع لم يكن مرتبطًا بتوجهات الحكومات المتعاقبة، بل جرى التعامل معه بوصفه مشروعًا استراتيجيًا ثابتًا للدولة الإيرانية.

 

مرحلة إعادة الإعمار: وضع الأسس الجيوسياسية:

في عهد الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، تم تثبيت البنية التنظيمية لمؤسسات التصنيع العسكري، كما جرى استيراد منظومات صاروخية صينية من طراز «إم-7»، التي شكلت لاحقًا قاعدة لتطوير سلسلة صواريخ «فاتح».

 

مرحلة الإصلاحات: انطلاق مشاريع التحصين تحت الأرض:

رغم الخطاب السياسي الداعي إلى الانفتاح خلال فترة محمد خاتمي، بدأت في هذه المرحلة عمليات واسعة لحفر الأنفاق والمنشآت العسكرية داخل جبال زاغروس، تحت إشراف قيادة القوات الجوية للحرس الثوري آنذاك. كما شهدت هذه الفترة الكشف عن صاروخ «شهاب-3»، أول منصة صاروخية إيرانية قادرة على بلوغ الأراضي الإسرائيلية.

 

مرحلة التوسع النوعي:

في عهد محمود أحمدي نجاد، تحولت القوات الجوية للحرس إلى «القوة الجوفضائية»، واتسعت مهامها لتشمل تطوير شبكة واسعة من القواعد والمنشآت المحصنة تحت الأرض.

 

مرحلة الاعتدال: توسيع قواعد الإطلاق الهجومية:

خلال فترة حسن روحاني، وبالتوازي مع المفاوضات النووية، ركزت قيادة القوة الجوفضائية بقيادة أمير علي حاجي زاده على إنشاء قواعد مزودة بمنصات إطلاق عمودية في جنوب إيران، بهدف تعزيز النفوذ العسكري في الخليج العربي وتهديد خطوط الملاحة الإقليمية.

 

مرحلة ما بعد روحاني: التصعيد العسكري وتكلفة المواجهة المباشرة:

شهدت حقبة إبراهيم رئيسي وما تلاها الإعلان عن منظومات جديدة، بينها صواريخ «فتاح» التي وصفتها طهران بأنها فرط صوتية، إلا أن هذه المرحلة تزامنت أيضًا مع دخول البرنامج الصاروخي في اختبار ميداني مباشر نتيجة المواجهات العسكرية المتصاعدة، وما ترتب عليها من خسائر واسعة في البنية التحتية العسكرية.

 

الجغرافيا العسكرية: خريطة المجمعات الصاروخية الإيرانية

أنشأت إيران شبكة واسعة تضم ما يقارب ثلاثين مجمعًا عسكريًا تحت الأرض، يمكن تصنيفها إلى عدة مجموعات رئيسية:

 

أولًا: مراكز البحث والتطوير وإنتاج الوقود

تشكل منشآت شاهرود ومجمعا «الشهيد باقري» و«الشهيد همت» في خجير وبارشين، إضافة إلى منشآت كرمسار، القلب الصناعي للبرنامج الصاروخي الإيراني، حيث يتم إنتاج الوقود الصلب والسائل وتصنيع المحركات.

وتشير تقارير متخصصة إلى أن الأضرار التي لحقت بمرافق إنتاج الوقود في شاهرود تمثل ضربة مؤثرة لسلسلة الإمداد الصاروخي الإيرانية.

 

ثانيًا: مراكز التجميع والإنتاج

تضم محافظة أصفهان عددًا من أبرز المجمعات الصناعية والعسكرية، من بينها منشآت نجف آباد وبهارستان ومباركة، التي تؤدي دورًا محوريًا في عمليات الإنتاج والتجميع.

كما تضم محافظتا كرمانشاه ولرستان قواعد قديمة واستراتيجية مثل «بنج بله» و«تنغه كنشت» وموقع «الإمام علي» في خرم آباد، والتي تستخدم للتخزين والإطلاق العملياتي للصواريخ الباليستية.

 

ثالثًا: قواعد الإطلاق التكتيكية ومنصات الإطلاق العمودية

تمتد هذه القواعد على طول الشريط الجنوبي لإيران، وتشمل مواقع في خوركو وخورموج وجم ولار وحاجي آباد، وقد صُممت لتعزيز القدرة الإيرانية على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز والخليج العربي.

كما تضم الشبكة مواقع أخرى في يزد وتبريز وشيراز، حيث توجد منشآت تحت الأرض مخصصة للإطلاق والتخزين.

 

انهيار أسطورة الحصانة: تداعيات المواجهات العسكرية الأخيرة

أظهرت المواجهات العسكرية المباشرة بين إيران وإسرائيل خلال الأعوام الأخيرة أن مفهوم «المدن الصاروخية الحصينة» يواجه اختبارًا صعبًا على أرض الواقع.

وتشير تقديرات مستندة إلى صور الأقمار الصناعية وتحليلات مراكز بحثية وعسكرية إلى تعرض عدد كبير من المنشآت الاستراتيجية لأضرار جسيمة، خاصة في مناطق تبريز وأصفهان وكرمانشاه وشيراز.

ومن أبرز النتائج التي أفرزتها هذه التطورات:

  • تدمير أو تعطيل أجزاء مهمة من البنية التحتية المرتبطة بعمليات التخزين والإطلاق والدعم اللوجستي.
  • تراجع القدرة التشغيلية لبعض المواقع المخصصة للإطلاق العمودي في جنوب البلاد.
  • خسائر بشرية في صفوف كوادر وقيادات متخصصة ضمن القوة الجوفضائية للحرس الثوري، الأمر الذي يزيد من تعقيد جهود إعادة التأهيل وإعادة البناء.

 

خاتمة:

على مدار عقود، أنفقت الجمهورية الإسلامية مليارات الدولارات لبناء شبكة واسعة من الأنفاق والقواعد الصاروخية المحصنة، بهدف توفير مظلة ردع استراتيجية ضد خصومها الإقليميين والدوليين. إلا أن التطورات العسكرية الأخيرة أظهرت أن هذه المنظومة، رغم حجمها وتعقيدها، ليست بمنأى عن الاختراق والاستهداف.

ومع تعرض أجزاء واسعة من البنية التحتية الصاروخية لأضرار متفاوتة، وتزايد الضغوط العسكرية والأمنية، تبدو المؤسسة العسكرية الإيرانية أمام تحدٍ جوهري يتمثل في إعادة تقييم عقيدتها الدفاعية وإعادة صياغة مفهوم الردع الذي اعتمدت عليه لعقود في بيئة إقليمية تشهد تحولات متسارعة وغير مسبوقة.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *