مناهضون

حركة رواد النهضة لتحرير الأحواز

مكتب الإعلام

بحوث ودراسات

إيران تفتح جبهة جديدة في أفريقيا.. من تصدير العقيدة إلى صناعة الوكلاء

مناهضون – دراسة

 

لا تنظر طهران إلى أفريقيا كساحة نفوذ بعيدة عن صراعات الشرق الأوسط، بل كمساحة يمكن أن تعيد فيها بناء جزء من منظومة نفوذها الخارجية، مستفيدة من الفراغات الأمنية والسياسية واتساع شبكات الاقتصاد غير الرسمي في عدد من دول القارة.

وعلى مدى سنوات، بنت إيران أدوات نفوذ تعتمد على المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية، قبل أن تتداخل هذه الشبكات في بعض الحالات مع أنشطة سياسية وأمنية ومالية. وتأتي جامعة المصطفى الدولية في مقدمة أدوات الانتشار العقائدي الإيراني، إذ أنشأت شبكة واسعة من المؤسسات والفروع والبرامج التعليمية خارج إيران، بينها دول أفريقية.

وتكتسب نيجيريا أهمية خاصة في هذه المنظومة، مع صعود الحركة الإسلامية التي يقودها إبراهيم الزكزاكي، والتي تأثرت بصورة واضحة بالثورة الإيرانية وبنموذج ولاية الفقيه. وتحولت الحركة إلى شبكة دينية واجتماعية واسعة، فيما تعرضت السلطات النيجيرية لها باعتبارها تحديًا أمنيًا، خصوصًا بعد مواجهات دامية واعتقالات طالت قياداتها وأتباعها.

ولا تقف الحسابات الإيرانية عند نشر الأيديولوجيا. فقد وثقت دراسات أمنية وجود أنشطة مرتبطة بإيران وحزب الله في غرب أفريقيا، شملت شبكات مالية ولوجيستية وعمليات تهريب، بينما كشفت قضايا أمنية سابقة عن محاولات لنقل أسلحة وبناء قدرات تشغيلية في المنطقة.

وتمنح التحولات التي شهدها الساحل الأفريقي خلال السنوات الأخيرة هذه الشبكات بيئة أكثر تعقيدًا. فانسحاب أو تقليص الوجود العسكري الغربي في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إلى جانب ضعف المؤسسات الرسمية وانتشار الجماعات المسلحة والاقتصادات غير الرسمية، يخلق مساحات يمكن لشبكات النفوذ الخارجية استغلالها لبناء علاقات محلية طويلة الأمد.

الهدف الإيراني المحتمل يتجاوز مجرد الحضور الديني. فبناء شبكة متعددة المستويات يوفر لطهران قنوات للتواصل والتأثير والتمويل، ويفتح المجال أمام الوصول إلى مجتمعات محلية ومراكز تجارية ومناطق استراتيجية، فضلًا عن فرص مرتبطة بالموارد الطبيعية والمعادن وسلاسل التجارة.

وتزداد أهمية هذه الحسابات في ظل الضغوط التي تعرضت لها شبكة الوكلاء الإيرانيين في الشرق الأوسط. فكل تراجع في قدرة طهران على استخدام ساحات تقليدية مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن يزيد الحاجة إلى مساحات بديلة تستطيع فيها الاحتفاظ بأدوات نفوذ غير مباشرة.

هنا تظهر أفريقيا كمساحة مختلفة.. دول عديدة، حدود واسعة، مؤسسات أمنية متفاوتة القدرة، جماعات مسلحة متعددة، واقتصادات غير رسمية تمتد عبر الحدود. وهي ظروف تسمح ببناء شبكات يصعب تفكيكها إذا نجحت في ترسيخ وجودها اجتماعيًا وماليًا قبل الانتقال إلى أي مستوى أمني.

لكن تحويل هذه الشبكات إلى نسخة أفريقية من حزب الله أو الحوثيين ليس أمرًا محسومًا. فالدراسات المتاحة توثق نفوذًا إيرانيًا دينيًا وسياسيًا وشبكات مرتبطة بحزب الله، لكنها لا تقدم دليلًا قاطعًا على وجود منظومة أفريقية موحدة تماثل بنية وكلاء طهران في لبنان واليمن.

ومع ذلك، فإن المسار الأوسع يستحق المتابعة.. طهران لا تبدأ عادةً من السلاح، بل من بناء البيئة التي تجعل السلاح ممكنًا لاحقًا. ومن المؤسسات الدينية إلى الإعلام، ومن العلاقات الاجتماعية إلى شبكات التمويل، تبدو استراتيجية النفوذ الإيراني في أفريقيا قائمة على صناعة البنية التحتية البشرية واللوجيستية أولًا، ثم اختبار قدرتها على التحول إلى نفوذ سياسي وأمني عندما تسمح الظروف.

ولذلك لا تبدو أفريقيا بالنسبة إلى إيران مجرد ساحة لتعويض خسائر الشرق الأوسط، وإنما مجالًا محتملًا لإعادة توزيع أدوات القوة الإيرانية على خريطة جغرافية أوسع، بعيدًا عن ساحات المواجهة التقليدية.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *