مناهضون

حركة رواد النهضة لتحرير الأحواز

مكتب الإعلام

بحوث ودراسات

الحوثيون على خطى إيران.. الاعتقال بتهمة التجسس والإعدام سلاحًا لإسكات المجتمع المدني

مناهضون – دراسة

 

لا تتوقف ميليشيا الحوثي الموالية لإيران في اليمن عند حدود السيطرة العسكرية على مناطق واسعة من اليمن، بل توسّع نموذجًا أمنيًا يشبه إلى حد كبير الأساليب التي لطالما استخدمتها السلطات الإيرانية في التعامل مع المعارضين والنشطاء والعاملين في المنظمات الدولية، عبر الاعتقال التعسفي، وتهم التجسس، والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وصولًا إلى التلويح بعقوبة الإعدام.

أحدث فصول هذا النهج ظهر بإحالة ما لا يقل عن ثمانية عاملين في المجالين الإنساني والحقوقي إلى المحاكمة الجنائية بتهم مرتبطة بالتجسس، وهي اتهامات قد تصل عقوبتها إلى الإعدام. وتضم القائمة موظفين اثنين في الأمم المتحدة، ومستشارًا أمميًا، وخمسة عاملين مع منظمات مجتمع مدني دولية ومحلية تنشط في مجالات الصحة وحقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية.

 

تهمة التجسس.. أداة القمع المشتركة:

القضية لا تبدو معزولة عن مسار بدأه الحوثيون منذ سنوات، إذ وثقت منظمة العفو الدولية حالات عديدة استخدمت فيها سلطات الجماعة تهم التجسس ضد خصوم سياسيين وأصوات معارضة، فيما وثقت منظمات حقوقية استخدام التعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة لانتزاع الاعترافات.

ومنذ 31 مايو 2024، نفذ الحوثيون موجات متتالية من الاعتقالات استهدفت موظفين في الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، فيما تشير هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية إلى احتجاز عشرات العاملين تعسفيًا. وبحلول فبراير 2026، كان 73 موظفًا أمميًا وعشرات العاملين في المجال الإنساني لا يزالون محتجزين وفق بيانات حقوقية.

وهنا يظهر التشابه مع النموذج الإيراني في توظيف الاتهامات الأمنية، وعلى رأسها التجسس، لتحويل النشاط المدني أو الحقوقي إلى قضية أمن دولة، ثم استخدام القضاء وأجهزة الأمن كأدوات لإسكات المعارضين وترهيب المجتمع.

 

من الاعتقال إلى الإعدام:

الأخطر أن الحوثيين لا يستخدمون الاعتقال كوسيلة احتجاز مؤقتة فقط، بل يربطونه في بعض القضايا بعقوبات قصوى، في مسار يعيد إلى الواجهة نمطًا معروفًا في إيران، حيث تُستخدم تهم أمنية مثل التجسس والتعاون مع جهات أجنبية في قضايا قد تنتهي بأحكام إعدام.

وفي الحالة اليمنية، يواجه المحتجزون الثمانية خطر الحكم بالإعدام، بينما أفادت عائلات بعض المعتقلين بأنهم تعرضوا للضغط أو التهديد بالتعذيب لإجبارهم على الاعتراف بتهم التجسس. كما وثقت منظمات حقوقية سابقة استخدام الحوثيين التعذيب لانتزاع المعلومات والاعترافات.

ولا تتوقف المخاوف عند المحاكمة، فالأوضاع الصحية للمحتجزين تتدهور؛ إذ يعاني اثنان على الأقل من مرض السكري، ويواجه أحدهم خطر الإصابة بالجلوكوما، بينما يخضع محتجز آخر للعلاج الكيميائي بسبب إصابته بسرطان المعدة.

 

نسخة يمنية من أدوات الحرس الثوري:

يعكس هذا المسار أحد أبرز أوجه التأثير الإيراني على بنية الحوثيين الأمنية والسياسية، فالجماعة، التي ترتبط بإيران وتحظى بدعمها، تتبنى خطابًا وممارسات تقوم على تصنيف الخصوم والنشطاء والعاملين الدوليين باعتبارهم أدوات لمؤامرات خارجية.

والتشابه بين سياسات الحوثي وإيران أصبح جليا.. اتهامات بالتجسس، اعتقالات واسعة، احتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، اعترافات تحت الضغط، ومحاكمات يمكن أن تنتهي بالإعدام.

وتكتسب هذه الممارسات خطورة أكبر عندما تطال العاملين في الإغاثة وحقوق الإنسان، لأن الاعتقال لا يستهدف أفرادًا فقط، بل يضغط على منظومة المساعدات نفسها، ويخلق بيئة خوف قد تدفع المنظمات إلى تقليص وجودها في المناطق الخاضعة للحوثيين.

 

القمع يتسع.. والإغاثة تدفع الثمن:

سبق أن وثقت المنظمات الحقوقية اعتقال عشرات موظفي الأمم المتحدة والمنظمات المحلية والدولية، كما توفي أحد العاملين في برنامج الأغذية العالمي داخل الاحتجاز الحوثي في فبراير 2025، وهو ما زاد المخاوف بشأن سلامة بقية المحتجزين.

وبذلك تتحول سياسة الاعتقال من أداة لاستهداف المعارضين إلى وسيلة للسيطرة على المجال المدني بأكمله؛ فكلما اتسعت دائرة الاتهامات، أصبح العمل الإنساني والحقوقي نفسه نشاطًا محفوفًا بخطر الاعتقال والمحاكمة.

وفي المحصلة، تكشف قضية المحتجزين الثمانية عن مسار أوسع.. الحوثيون لا يكتفون باستنساخ الخطاب السياسي الإيراني، بل يظهرون أيضًا في ممارساتهم الأمنية والحقوقية تبني أدوات تقوم على تحويل الاتهام بالتجسس إلى بوابة للاعتقال والمحاكمة، مع إبقاء عقوبة الإعدام في نهاية هذا المسار.

وهو ما يجعل الضغط الدولي للإفراج عن المحتجزين ليس مجرد تحرك إنساني، بل اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على وقف توسع نموذج أمني يجعل من العمل الإنساني والحقوقي نفسه مدخلًا إلى السجن والمحاكمة وربما الإعدام.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *