مناهضون
تتجاوز أزمة الوقود المتفاقمة في ما تسمى بإيران حدود النقص المؤقت في البنزين، لتكشف عن أزمة أعمق في بنية الاقتصاد الإيراني وطريقة إدارة قطاع الطاقة، في بلد يمتلك احتياطيات هائلة من النفط والغاز، لكنه يجد نفسه أمام طوابير طويلة من السيارات ومحطات وقود عاجزة عن تلبية الطلب بصورة مستقرة.
وفي مشاهد تعكس حجم الأزمة، لا تزال طوابير الوقود مستمرة في عدد من المناطق، بينما يواجه المواطنون صعوبات متزايدة في الحصول على البنزين.
ثروة هائلة وأزمة متصاعدة:
تمتلك إيران واحدًا من أكبر احتياطيات النفط والغاز عالميًا، إلا أن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى إمدادات مستقرة داخل السوق المحلية.
فالعقوبات الدولية قلصت قدرة إيران على الوصول إلى التكنولوجيا والاستثمارات الخارجية، فيما تعاني منشآت التكرير والبنية التحتية للطاقة من مشكلات تراكمت على مدى سنوات. كما يؤدي ارتفاع الاستهلاك المحلي المدعوم إلى زيادة الضغط على شبكة الوقود، بينما يمثل تهريب البنزين إلى الدول المجاورة أحد العوامل التي تستنزف جزءًا من الإمدادات المحلية.
وتزداد الأزمة تعقيدًا عندما تتراجع قدرة الدولة على تمويل عمليات تطوير المصافي وشبكات النقل والتخزين، فتتحول الدولة المنتجة للنفط تدريجيًا إلى مستورد أو موزع محدود لبعض مشتقات الطاقة في أوقات مختلفة.
الأحواز.. قلب الثروة النفطية:
تكتسب الأزمة بعدًا سياسيًا واقتصاديًا أكثر حساسية عند النظر إلى الأحواز، التي تُعد من أبرز مناطق إنتاج النفط والغاز في إيران.
ومنذ سيطرة إيران على الأحواز في عشرينيات القرن الماضي، أصبحت موارد الإقليم جزءًا أساسيًا من منظومة الطاقة الإيرانية. ويصف ناشطون وقوى سياسية أحوازية هذه العلاقة بأنها استغلال ممنهج للثروات المحلية، ويؤكدون أن العائدات النفطية والغازية لم تنعكس بصورة عادلة على سكان المنطقة.
وتستند هذه الانتقادات إلى مفارقة واضحة.. مناطق غنية بالنفط والغاز تعاني في الوقت نفسه من البطالة والفقر ومشكلات البنية التحتية والخدمات، وهو ما جعل قضية توزيع الثروة واحدة من أكثر الملفات حساسية في الأحواز.
لماذا تتحول أزمة الوقود إلى أزمة نظام؟
المشكلة لا تتعلق فقط بتوافر النفط الخام، وإنما بقدرة الدولة على إدارة سلسلة الطاقة كاملة، من الاستخراج إلى التكرير ثم النقل والتوزيع.
فعندما تمتلك الدولة النفط لكنها تعاني نقصًا في البنزين، فهذا يشير إلى وجود اختلالات في منظومة الطاقة نفسها. وكلما طالت الطوابير وازدادت القيود على الوقود، ارتفع الضغط الاجتماعي، خصوصًا في ظل تدهور العملة وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية.
كما أن استمرار الأزمة يضرب صورة النظام أمام المواطنين؛ فالدعاية الرسمية لطالما قدمت إيران باعتبارها قوة طاقة إقليمية كبرى، بينما تكشف طوابير المحطات فجوة متزايدة بين حجم الموارد التي تمتلكها الدولة ومستوى الخدمات التي يحصل عليها المواطن.
النفط موجود.. لكن الأزمة مستمرة:
تكشف أزمة الوقود في النهاية أن المشكلة الإيرانية ليست نقصًا في الثروة، بقدر ما هي أزمة إدارة واستثمار وتوزيع.
وتصبح المفارقة أكثر وضوحًا في الأحواز.. ثروة نفطية وغازية ضخمة تُستخرج من الإقليم، بينما يعاني جزء من سكانه من البطالة والفقر وتراجع الخدمات.
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات وتراجع الاستثمارات وارتفاع الاستهلاك المحلي، قد تتحول أزمة الوقود من أزمة تشغيلية إلى أزمة سياسية واجتماعية أوسع، خصوصًا إذا استمرت الدولة في معالجة أعراض المشكلة بدل معالجة جذورها.
وفي ظل هذه المعادلة، تصبح طوابير البنزين صورة تختصر تناقضًا أكبر.. بلد يملك النفط، وإقليم محتل يملك جزءًا كبيرًا من الثروة، ومواطن يقف لساعات بحثًا عن الوقود.





