مناهضون
تدخل إيران مرحلة جديدة من أزمتها الاقتصادية، مع تراجع احتياطيات الوقود إلى مستويات لا تكفي، وفق مسؤول إيراني بارز نقلت عنه وكالة «رويترز»، لأكثر من نحو شهرين، في مؤشر يعكس حجم الضغوط المتراكمة على الاقتصاد الإيراني نتيجة العقوبات الأمريكية، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لمصافي التكرير، وتراجع قدرة طهران على الوصول إلى قنوات التجارة والتمويل الدولية.
ولا تبدو أزمة الوقود منفصلة عن المشهد الاقتصادي الأوسع؛ إذ تتزامن مع ضغوط متزايدة على صادرات النفط، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع التضخم، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، بما يضع الحكومة الإيرانية أمام تحديات متزامنة تتعلق بتمويل الواردات وإصلاح منشآت الطاقة والحفاظ على استقرار السوق المحلية.
أزمة الوقود تتفاقم:
وتكشف مصادر إيرانية بارزة، بحسب «رويترز»، أن إيران اضطرت إلى استيراد البنزين بعد تعرض عدد من منشآت تكرير النفط لأضرار كبيرة، في وقت تواجه فيه الحكومة صعوبات مالية تحول دون توفير التمويل اللازم لإجراء الإصلاحات المطلوبة.
ويمثل هذا التطور ضربة لقطاع الطاقة الإيراني، الذي لطالما شكّل أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية لطهران. فاضطرار دولة نفطية إلى استيراد الوقود لتغطية احتياجاتها الداخلية يعكس اتساع الفجوة بين قدرتها الإنتاجية واحتياجات السوق، خصوصًا مع تضرر المصافي وتراجع القدرة على توفير السيولة اللازمة لاستعادة طاقتها التشغيلية.
العقوبات تضرب شريان الاقتصاد:
خلال الأسابيع الأخيرة، كثفت واشنطن ضغوطها على إيران عبر عقوبات تستهدف مصادر السيولة وشبكات التمويل الدولية وصادرات النفط.
وتقول المصادر التي نقلتها «رويترز» إن هذه الإجراءات رفعت تكلفة الالتفاف على العقوبات إلى مستويات باتت طهران تواجه صعوبة متزايدة في تحملها.
وعلى مدى عقود، اعتمدت إيران على شبكة معقدة من الشركات الواجهة والسفن غير المسجلة وعمليات النقل والتهريب لإبقاء تجارتها الخارجية قائمة. إلا أن تشديد الرقابة والعقوبات الأمريكية أدى، وفق مسؤولين كبار، إلى إضعاف فعالية هذه الشبكات بدرجة كبيرة.
وهكذا لم تعد المشكلة الإيرانية مرتبطة فقط بالقدرة على بيع النفط، وإنما أيضًا بقدرتها على تحويل عائداته إلى سيولة قابلة للاستخدام، والوصول إلى العملات الأجنبية، وتمويل الواردات والإنفاق الحكومي.
النفط تحت الضغط.. والريال يواصل الانهيار:
وتأتي أزمة الوقود بالتزامن مع ضغوط متزايدة على صادرات النفط الإيرانية، التي تمثل المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد.
ويواجه الاقتصاد الإيراني وضعًا أكثر هشاشة بسبب التدهور الذي أصاب العملة المحلية. وخلال العام الماضي، تراجعت قيمة الريال الإيراني بصورة حادة، من نحو مليون ريال مقابل الدولار إلى أكثر من 2.2 مليون ريال، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
كما بلغ متوسط التضخم خلال 12 شهرًا نحو 69.9%، بينما ارتفعت أسعار السلع الأساسية، بما فيها الأغذية والمشروبات والتبغ، بمعدلات أعلى بكثير من مستويات التضخم العام.
وتنعكس هذه الأرقام بصورة مباشرة على حياة الإيرانيين، مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قيمة الدخول. ويبلغ متوسط الراتب الشهري، بحسب التقرير، نحو 125 دولارًا، وهو مستوى يقل عن ثلث الإنفاق الأساسي للأسر.
البطالة والفقر يوسعان دائرة الأزمة:
ولم يعد التدهور الاقتصادي مقتصرًا على المؤشرات المالية، بل امتد إلى سوق العمل والقدرة الشرائية.
فمعدل البطالة ارتفع إلى 9.1%، بينما يواجه العاملون ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الرواتب.
وتختصر عبارة موظفة إيرانية في القطاع الخاص بطهران، نقلت عنها «رويترز»، جانبًا من حجم الأزمة حين قالت: «نزداد فقرًا كل يوم».
هذه المعادلة تضع المجتمع الإيراني أمام ضغط مزدوج.. ارتفاع مستمر في أسعار السلع والخدمات، مقابل دخول تفقد قيمتها بصورة متسارعة، وهو ما يعني تراجعًا متواصلًا في مستوى المعيشة حتى بالنسبة إلى العاملين الذين يحتفظون بوظائفهم.
الصين.. الورقة الأخيرة أمام طهران؟
وتزداد حساسية المشهد مع احتمال تشديد الضغوط على الصين، التي تمثل شريكًا تجاريًا مهمًا لإيران وأحد المنافذ الرئيسية التي تعتمد عليها طهران للحفاظ على جزء من تجارتها الخارجية.
وفي هذا السياق، قال نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إن الصين مستعدة للتعاون مع الجهود الأمريكية الرامية إلى عزل إيران عن الشبكات الاقتصادية العالمية ودفعها نحو التوصل إلى اتفاق.
ورغم تأكيد فانس أن بكين لا تنفذ بالضرورة جميع المطالب الأمريكية، فإن أي تقارب صيني مع سياسة واشنطن تجاه طهران قد يضيّق مساحة المناورة الاقتصادية المتاحة أمام إيران، ويضع أحد أهم شرايين تجارتها الخارجية تحت ضغط إضافي.
اقتصاد يقترب من نقطة الاختناق:
وتشير مجمل التطورات إلى أن الأزمة الإيرانية دخلت مرحلة تتجاوز العقوبات التقليدية على قطاع النفط.
فالمعادلة باتت تشمل الوقود، والمصافي، والعملات الأجنبية، والتجارة الخارجية، والريال، والتضخم، والبطالة في وقت واحد.
وبينما تحاول طهران الحفاظ على تدفق النفط وتأمين احتياجات السوق المحلية، فإن تراجع الموارد المالية وارتفاع تكلفة الالتفاف على العقوبات يحدان من قدرتها على معالجة الأضرار وإعادة بناء البنية التحتية للطاقة.
وفي حال استمرت الضغوط الحالية، فإن أزمة الوقود قد تتحول من مشكلة مرتبطة بالإمدادات إلى أزمة اقتصادية واجتماعية أوسع، خصوصًا إذا تزامنت مع مزيد من تراجع العملة وارتفاع الأسعار وتراجع الإيرادات النفطية.
وبذلك تقف إيران أمام معادلة شديدة التعقيد.. دولة تملك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز والمعظم منها منهوب من الأحواز المحتلة، لكنها تواجه نقصًا في الوقود والسيولة، وتراجعًا في قيمة العملة، وارتفاعًا قياسيًا في الأسعار، بينما تتآكل قدرة المواطنين على تحمل كلفة الأزمة.





