مناهضون

حركة رواد النهضة لتحرير الأحواز

مكتب الإعلام

تقارير

العزلة الرقمية والاقتصاد المنهوب: كيف يدفع الأحوازيون ثمن «حروب النظام الإيراني» من لقمة عيش شبابهم؟

مناهضون

 

لم تعد الحروب المعاصرة تُخاض بالطائرات والمدافع وحدها، بل تحولت الفضاءات الرقمية والشرايين الاقتصادية إلى واحدة من أكثر جبهات الصراع قسوةً ووحشية. وفي قلب هذه المعادلة الظالمة، يعيش شعب الأحواز تحت حصار متعدد الأوجه تفرضه سياسات النظام الإيراني، حيث تتقاطع الحروب الاستنزافية التي يقودها النظام مع سياسة «القطع المتعمد للإنترنت»، لتنتج أزمة بطالة غير مسبوقة تضرب البنية الاجتماعية والاقتصادية في الأحواز.

 

إن الارتفاع المتسارع في معدلات البطالة بالأحواز ليس نتيجة عابرة لأزمة إقليمية، بل يمثل حصيلة مباشرة لسياسات ممنهجة تقوم، من جهة، على نهب ثروات الإقليم وتسخيرها لخدمة الآلة العسكرية الإيرانية، ومن جهة أخرى، على خنق أي محاولة لبناء اقتصاد محلي مستقل وقادر على الاستمرار.

 

الحصار الرقمي.. إغلاق آخر متنفس للشباب الأحوازي:

خلال السنوات الماضية، ومع تصاعد سياسات التمييز الوظيفي الممنهجة داخل منشآت النفط والغاز والصناعات الكبرى في الأحواز، حيث تُمنح الأولوية في التوظيف للقوى غير المحلية والوافدين، وجد الشباب الأحوازي في الاقتصاد الرقمي ملاذهم الأخير.

وقد اتجه آلاف الخريجين وأصحاب الكفاءات إلى العمل الحر عبر الإنترنت في مجالات البرمجة والتصميم والترجمة وصناعة المحتوى، فيما أسست مئات النساء الأحوازيات مشاريع منزلية صغيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي للمساهمة في إعالة أسرهن.

غير أن الانقطاعات المتكررة للإنترنت، والتقليص المتعمد لسرعات الاتصال، إلى جانب الحجب الواسع للمنصات الدولية، أطاحت بهذا الأمل الأخير. فالعزلة الرقمية المفروضة على الأحواز تمثل في حقيقتها «إعداماً اقتصادياً صامتاً»، إذ تحولت البيئة الرقمية إلى مساحة مغلقة يستحيل فيها التواصل مع العملاء خارج الإقليم أو حتى داخل المحافظات الأخرى، ما أدى إلى انهيار آلاف فرص العمل المستقلة ورفع معدلات البطالة بين الشباب إلى مستويات غير مسبوقة.

 

اقتصاد الحرب وهروب رؤوس الأموال:

بالتوازي مع الحصار الرقمي، يواصل النظام الإيراني فرض الطابع الأمني والعسكري على الأحواز بذريعة التوترات الإقليمية، الأمر الذي حوّل الإقليم إلى بيئة طاردة للاستثمار.

فالشركات والمستثمرون يبحثون دائماً عن الاستقرار، وفي ظل غياب الأمن الاقتصادي والانقطاعات المتكررة للخدمات المصرفية والاتصالات والخدمات اللوجستية، فضّل كثير من المستثمرين وقف أنشطتهم أو نقل رؤوس أموالهم إلى مناطق أخرى داخل إيران.

هذا الركود لم يحرم الخريجين الجدد من فرص العمل فحسب، بل أدى أيضاً إلى تسريح آلاف العمال اليوميين في قطاعات البناء والخدمات والنقل.

ولا تقتصر الأزمة على القطاعات الحديثة، إذ تعرضت قطاعات تقليدية كبرى، مثل الزراعة والصيد، إلى تدمير واسع نتيجة تحويل مياه الأنهار الأحوازية، وعلى رأسها كارون والكرخة، إلى مناطق أخرى، فضلاً عن إنشاء السدود غير المدروسة، ما دفع أعداداً كبيرة من العاملين في هذه القطاعات إلى صفوف البطالة.

 

تداعيات اجتماعية تهدد مستقبل المجتمع الأحوازي:

تتجاوز تداعيات هذه الأزمة حدود الأرقام الاقتصادية لتصل إلى تهديد مباشر لهوية المجتمع الأحوازي واستقراره، ويمكن تلخيص أبرز هذه التداعيات في النقاط التالية:

1. الهجرة القسرية واستنزاف الكفاءات: حين يجد الشاب الأحوازي نفسه محاصراً بين التمييز الوظيفي في الواقع والانسداد الرقمي في الفضاء الإلكتروني، تصبح الهجرة الخيار الوحيد لتأمين لقمة العيش، ما يؤدي إلى استنزاف الطاقات الشابة والكفاءات العلمية من الإقليم.

2. استهداف التمكين الاقتصادي للمرأة: شكّلت التجارة الإلكترونية وسيلة مهمة للنساء الأحوازيات لتحقيق قدر من الاستقلال الاقتصادي والمساهمة في إعالة أسرهن، غير أن حرمانهن من هذا الفضاء أدى إلى مضاعفة معدلات الفقر وتفاقم المشكلات الاجتماعية.

3. إشغال المجتمع بأعباء المعيشة اليومية: يُستخدم الضغط الاقتصادي المتصاعد، خصوصاً في أوقات الأزمات، كأداة لإغراق المجتمع في معارك البقاء وتأمين الاحتياجات الأساسية، بما يحدّ من قدرة المواطنين على المطالبة بحقوقهم المدنية والتنموية.

 

إن تزامن أجواء الحرب مع سياسة قطع الإنترنت في الأحواز ليس أمراً عارضاً، بل يعكس سياسة ممنهجة تقوم على العزل والإخضاع الاقتصادي. ويُعد الحق في العمل والحق في الوصول إلى وسائل الاتصال والمعرفة من المبادئ الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

واستمرار هذا التهميش المفروض على شعب الأحواز يستدعي تحركاً واسعاً داخل الأوساط الحقوقية والسياسية الدولية، لكشف الكيفية التي يُجبر بها الأحوازيون على دفع ثمن سياسات النظام الإيراني العسكرية من استقرارهم المعيشي ومستقبل أجيالهم الشابة.