مناهضون
رغم مرور أسابيع على انطلاق الدورة الجديدة للبرلمان العراقي، لا يزال منصب رئيس الجمهورية شاغراً؛ وهو وضع يعكس انسداداً سياسياً حاداً في هيكلية السلطة، وتحديداً الخلاف العمیق بين الأحزاب الكردية الرئيسية حول هذا المنصب الذي يُعد تشريفياً في ظاهره، لكنه حاسم في مسار العملية السياسية.
العقدة الأساسية: صراع البيت الكردي
يعود السبب الرئيس وراء التأخير في اختيار الرئيس إلى الخلاف المحتدم بين الحزبين الكرديين الحاكمين: الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني. فعلى خلاف الأعراف السابقة، قدم كل حزب مرشحه الخاص للمنصب، وفشلا حتى الآن في التوصل إلى اتفاق مشترك.
العرف السياسي بعد عام 2003:
منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، استقر عُرف سياسي غير مكتوب يقضي بمنح منصب رئاسة الجمهورية للأكراد. وعملياً، ظل هذا المنصب طيلة العقدين الماضيين حصةً لـ “الاتحاد الوطني الكردستاني”، بينما احتفظ “الحزب الديمقراطي الكردستاني” بالمناصب السيادية في الإقليم، وعلى رأسها رئاسة إقليم كردستان.
واليوم، يرى الحزب الديمقراطي أن هذا النموذج لتوزيع السلطة بات “غير عادل” و”متقادماً”، مطالباً بإعادة النظر فيه؛ الأمر الذي واجهه الاتحاد الوطني برفض قاطع، مما أجج الفجوة السياسية الراهنة.
رؤيتان متضادتان:
الاتحاد الوطني الكردستاني: يتمسك بمبدأ “الديمقراطية التوافقية”، ويرى أن رئاسة الجمهورية استحقاق ثابت له، مشدداً على ضرورة الالتزام بالاتفاقات التاريخية. ويحذر الحزب من أن تغيير هذه المعادلة قد يؤدي إلى زعزعة توازن القوى الهش في العراق.
الحزب الديمقراطي الكردستاني: يستند إلى ثقله الانتخابي الأكبر في البرلمان العراقي للمطالبة بدور حاسم في اختيار الرئيس. وكان زعيم الحزب، مسعود بارزاني، قد قدم مقترحات لإصلاح آلية الاختيار وإخراج المنصب من حصر الكتل الحزبية الضيقة، إلا أن هذه المقترحات قوبلت بالرفض من قبل الاتحاد الوطني.
سباق المرشحين:
من بين 17 مرشحاً مسجلاً للمنصب، ينحصر التنافس الفعلي بين شخصيتين بارزتين:
* فؤاد حسين: مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني ووزير الخارجية العراقي الحالي.
* نزار آميدي: مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني ووزير البيئة السابق، الذي يمتلك خبرة طويلة في هيكلية ديوان رئاسة الجمهورية.
الانسداد البرلماني والتداعيات:
أخفق البرلمان العراقي حتى الآن في عقد جلستين رسميتين لانتخاب الرئيس بسبب غياب التوافق، رغم أن الدستور ينص على حسم هذا الملف خلال 30 يوماً كحد أقصى من تاريخ أول جلسة للبرلمان. ويؤدي هذا التأخير المستمر إلى عرقلة تكليف رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة.
في غضون ذلك، حذر الإطار التنسيقي (التحالف الرئيسي للقوى الشيعية) من التداعيات السياسية والاقتصادية لهذا التسويف، داعياً إلى إنهاء الانسداد سريعاً، ومعلناً أن نوابه سيكونون “أحراراً” في التصويت حال استمرار الخلاف الكردي.
الخلاصة:
إن المأزق الحالي في انتخاب رئيس العراق ليس وليد تنافس وطني شامل بقدر ما هو نتيجة لتصدع “البيت الكردي” وانهيار الاتفاقات الضمنية السابقة. وستظل عملية استكمال بناء السلطة في العراق رهينة التوافق بين القطبين الكرديين؛ وهو وضع قد يضع الاستقرار السياسي في البلاد على المحك.





