مناهضون – تقرير
تدخل الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتزامن فيها حروب وأزمات ممتدة من إيران وأوكرانيا إلى غزة ولبنان واليمن والسودان، مع تصاعد المخاوف بشأن أمن الطاقة والملاحة والغذاء، واتساع التنافس الدولي على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
لكن خلف المشهد الأممي المزدحم، يبرز الملف الإيراني باعتباره أحد أهم الاختبارات المطروحة أمام الإدارة الأمريكية، خصوصًا مع تزامن اجتماعين يحملان دلالات مختلفة.. لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قادة دول الخليج في نيويورك، والقمة المرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن.
ويأتي الاجتماع الأمريكي الخليجي في توقيت حساس، بعدما أصبحت دول المنطقة طرفًا مباشرًا في تداعيات الحرب مع إيران، سواء بسبب تهديدات الملاحة والطاقة أو استهداف منشآت ومصالح إقليمية. ولذلك يُنتظر أن يقدم الاجتماع مؤشرات أوضح بشأن رؤية واشنطن للمرحلة المقبلة، وحدود الخيارات المطروحة تجاه طهران.
ولا يتعلق الأمر بالمسار العسكري وحده، إذ تظل إمكانية التفاوض حاضرة في الحسابات الأمريكية والإيرانية، وإن كانت شروط كل طرف تبدو متباعدة. وتريد واشنطن استخدام الضغط العسكري والاقتصادي لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، بينما تسعى إيران إلى منع تحول الضغوط إلى تسوية تفرض عليها شروطًا من خارج حساباتها.
الصين.. ورقة إضافية في الحسابات الأمريكية:
وفي واشنطن، تكتسب قمة ترامب وشي أهمية تتجاوز الملفات التجارية والاقتصادية المعتادة بين أكبر قوتين عالميتين. فالحرب الإيرانية فرضت نفسها على حسابات الطاقة والتجارة الدولية، بينما تحتفظ بكين بعلاقات سياسية واقتصادية مع طهران تمنحها قدرة على التواصل معها في وقت تتقلص فيه قنوات الحركة الدبلوماسية.
ومن هنا، قد تحاول الإدارة الأمريكية الاستفادة من العلاقة الصينية الإيرانية للضغط باتجاه استئناف التفاوض، خصوصًا بشأن وقف الحرب وأمن الملاحة ومضيق هرمز.
لكن قدرة الصين على لعب هذا الدور ستظل مرتبطة بحساباتها الخاصة؛ فبكين لديها مصالح مباشرة في استقرار أسواق الطاقة وطرق التجارة، وفي الوقت نفسه لا ترغب في أن تتحول الأزمة الإيرانية إلى ورقة تستخدمها واشنطن لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
الأمم المتحدة أمام اختبار أصعب:
وسط هذه الحسابات، تبدو الجمعية العامة للأمم المتحدة أمام اختبار جديد لمدى قدرتها على التأثير في أزمات تتجاوزها أطرافها العسكرية والسياسية.
فمجلس الأمن يعاني منذ سنوات من الخلافات بين القوى الكبرى، بينما أدى التباعد بين واشنطن وبكين وموسكو إلى صعوبة بناء توافقات بشأن عدد من النزاعات الدولية. ومع استمرار الحروب، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى المنظمة الدولية بسبب محدودية أدواتها في فرض حلول سياسية على الأطراف المتصارعة.
وتزداد الضغوط مع توجه إدارة ترامب إلى إعادة النظر في حجم الدور الأمريكي داخل المؤسسات الدولية، بما في ذلك التمويل وطبيعة المشاركة الأمريكية، وهو ما قد ينعكس على قدرة الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية على تنفيذ برامجها في مناطق الأزمات.
وبينما تستضيف نيويورك قادة العالم، تتحرك الحسابات الحقيقية للملف الإيراني في مسارين متوازيين.. ضغط خليجي–أمريكي من جهة، واتصالات أمريكية–صينية قد تفتح قناة غير مباشرة مع طهران من جهة أخرى.
فهل تستخدم واشنطن أدوات القوة والضغط لفرض شروط جديدة على إيران، أم تتحول الحرب إلى مدخل لمفاوضات أوسع؟.. الإجابة لن تُحسم داخل قاعة الجمعية العامة وحدها، بل ستتحدد إلى حد كبير وفق ما ينتج عن مشاورات ترامب مع القادة الخليجيين، وما يمكن أن تحمله قمة واشنطن مع الصين من تفاهمات بشأن إيران.





