مناهضون – تقرير
لم يكن ظهور قيادي في الحرس الثوري الإيراني على ضفاف نهر الليطاني مجرد مشهد عابر، فالمكان والتوقيت والرسائل التي حملها ظهوره تفتح جميعها الباب أمام سؤال أخطر.. هل بدأت طهران اختبار إمكانية إعادة لبنان إلى دائرة التصعيد بعد مرحلة من الهدوء النسبي؟
في الأول من أكتوب ، ظهر حسين يكتا، القيادي في الحرس الثوري الإيراني، داخل جنوب لبنان، وهو يتوضأ في نهر الليطاني، قبل أن يلقي كلمة باللغة الفارسية حملت إشارات مباشرة إلى إسرائيل والقدس، مستعيدًا مشاهد من العراق وكربلاء وإعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين.
وقال يكتا، وفق المقطع المتداول، إنه يتوضأ أمام أعين الإسرائيليين في الليطاني، متحدثًا عن الصلاة في القدس.
المشهد لم يكن عاديًا، خصوصًا أن الليطاني يرتبط مباشرة بالترتيبات الأمنية الخاصة بجنوب لبنان، وبالجهود الرامية إلى منع تحويل المنطقة إلى منصة عمليات عسكرية جديدة ضد إسرائيل.
رسالة إيرانية من قلب الجنوب:
وجود شخصية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في هذه المنطقة، إذا تأكدت كل تفاصيل الزيارة رسميًا، يحمل دلالة تتجاوز النشاط الديني الذي قيل إنه كان غطاءً للزيارة.
فطهران لا تحتاج إلى إعلان صريح لتوجيه رسائلها. ظهور مسؤول عسكري إيراني في جنوب لبنان، مصحوبًا بحديث عن إسرائيل والقدس، يكفي لإعادة طرح السؤال حول مستقبل نفوذها داخل الساحة اللبنانية.
والأخطر أن الرسالة تأتي في وقت تحاول فيه بيروت تثبيت معادلة مختلفة تقوم على حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، وإعادة فرض سلطة المؤسسات الرسمية على الجنوب.
هنا تحديدًا تتقاطع الرسالة الإيرانية مع جوهر الأزمة اللبنانية: دولة تحاول استعادة قرارها، ونفوذ خارجي يسعى إلى الإبقاء على أدواته داخلها.
طهران وحزب الله.. إعادة ترتيب الأوراق:
التحرك الإيراني يثير أيضًا تساؤلات حول مستقبل علاقة طهران بحزب الله، خصوصًا بعد الضغوط العسكرية والسياسية التي تعرض لها الحزب، ومحاولات دفعه إلى تقليص قدرته على فتح جبهة جديدة مع إسرائيل.
فإذا كانت إيران قد خسرت جزءًا من هامش الحركة الذي كانت تتمتع به عبر الحزب، فإن إعادة تثبيت الحضور الإيراني في الجنوب يمكن أن تكون محاولة للحفاظ على قناة مباشرة مع واحدة من أهم ساحات المواجهة مع إسرائيل.
ولا يعني ظهور يكتا وحده وجود قرار إيراني بإشعال حرب جديدة، لكن توقيته ورسائله يقدمان مؤشرًا يستحق المتابعة، خاصة إذا تزامن مع تحركات أخرى لإعادة تنشيط شبكات الحزب أو إعادة بناء قدراته العسكرية والتنظيمية.
من يملك قرار الحرب في لبنان؟
السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط كيف دخل يكتا إلى لبنان، بل من يملك حق تحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة رسائل عسكرية إيرانية؟
فإذا كانت الزيارة رسمية، فهناك حاجة إلى تفسير واضح بشأن طبيعتها وأهدافها ومسارها وصولًا إلى الجنوب.
وإذا لم تكن رسمية، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة؛ لأنها تعني أن مسؤولًا عسكريًا أجنبيًا استطاع التحرك في منطقة شديدة الحساسية بعيدًا عن أعين مؤسسات الدولة.
وفي الحالتين، تجد الحكومة اللبنانية نفسها أمام اختبار حقيقي لسيادتها.
إيران لا تحتاج إلى حرب شاملة:
قد لا يكون هدف طهران إشعال حرب شاملة في لبنان، فالحرب المفتوحة لها كلفة هائلة على حلفائها كما عليها.
لكن إبقاء جبهة الجنوب قابلة للاشتعال قد يكون في حد ذاته ورقة ضغط.
فوجود تهديد عسكري دائم على الحدود الشمالية لإسرائيل يمنح إيران أداة تفاوض إضافية، ويُبقي حزب الله لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية، ويعقّد في الوقت نفسه مهمة الحكومة اللبنانية في تثبيت احتكار الدولة للسلاح والقرار العسكري.
وهنا تكمن خطورة المشهد: ليس مطلوبًا أن تبدأ الحرب غدًا حتى تكون لبنان أمام خطر العودة إليها.
لبنان بين الدولة والساحة:
الرسالة التي خرجت من ضفاف الليطاني لا يمكن فصلها عن الصراع الأوسع بين مشروع الدولة اللبنانية ومشروع الساحات الإقليمية.
فلبنان يحاول الخروج من سنوات أصبح فيها قرار الحرب مرتبطًا بحسابات تتجاوز مؤسساته، بينما تواصل إيران التعامل مع شبكة حلفائها باعتبارها جزءًا من أمنها الإقليمي وأوراق تفاوضها.
وبين الطرفين يقف لبنان أمام معادلة شديدة الخطورة: كلما عادت الرسائل العسكرية الإيرانية إلى الجنوب، تراجعت مساحة الدولة، وارتفعت احتمالات تحول الأراضي اللبنانية مرة أخرى إلى ساحة مواجهة بين طهران وإسرائيل.
ومن هنا، فإن ظهور حسين يكتا على الليطاني لا يجب أن يُقرأ فقط باعتباره مقطعًا مثيرًا للجدل، بل باعتباره واقعة تضع سؤالًا أكبر أمام بيروت.. هل يستطيع لبنان منع إيران من إعادة فتح بوابة الحرب من الجنوب؟





