مناهضون
تواجه إيران ضربة اقتصادية متصاعدة في أحد أهم مصادر تمويلها، بعدما تراجعت قدرتها على تصدير شحنات جديدة من النفط إلى مستويات تقترب من الصفر، في وقت تتزايد فيه القيود على حركة الخام الإيراني وخروجه من الموانئ. وتزداد خطورة الأزمة بالنسبة إلى طهران لأن جزءًا أساسيًا من إنتاجها النفطي يأتي من حقول الأحواز المحتلة، التي تعتمد عليها ما تسمى بإيران لتمويل اقتصادها وأجهزتها الأمنية والعسكرية.
وتواصل إيران استخراج النفط من حقول الأحواز وتحويل عائداته إلى خزينة الاحتلال، بينما لا تعود هذه الثروة بالنفع المتناسب على السكان المحليين، الذين يعانون، من أزمات اقتصادية وبيئية وخدمية متراكمة.
وتكشف أزمة الصادرات الحالية هشاشة اعتماد طهران على هذه الثروة؛ فحين تتعطل قدرة إيران على تصدير النفط، تتقلص سريعًا قدرتها على تحويل الموارد المستخرجة من الأحواز وغيرها إلى عملة صعبة.
النفط يتكدس.. والإنتاج يتراجع:
تشير تقديرات شركة «كبلر» إلى هبوط تحميلات الخام والمكثفات الإيرانية من نحو 893 ألف برميل يوميًا في يوليو إلى قرابة 156 ألف برميل يوميًا خلال النصف الأول من أغسطس، قبل أن تقترب حركة الشحنات الجديدة من التوقف.
ولا تزال عشرات الملايين من براميل النفط الإيراني محملة سابقًا في البحر، ما يوفر لطهران هامشًا زمنيًا مؤقتًا قبل ظهور كامل تأثير توقف الشحنات الجديدة على الإيرادات.
لكن المشكلة الأساسية تتجاوز الصادرات؛ فمع صعوبة إخراج الخام، تبدأ كميات النفط المستخرجة من الحقول في التراكم داخل منظومة الإنتاج والتخزين، ما يدفع السلطات الإيرانية إلى خفض معدلات الضخ وتأجيل خطط زيادة الإنتاج.
وتشير معلومات من مصادر مرتبطة بقطاع الطاقة إلى خفض تدريجي للإنتاج في حقول رئيسية، بينها الأهواز ومارون وآغاجاري، وهي حقول تقع في نطاق الأحواز وتعد من أبرز مناطق إنتاج النفط في إيران.
ومع تضييق الخناق على صادرات النفط، تتجه إيران إلى إعادة توزيع جزء من الخام على المصافي المحلية، بينها عبادان وأصفهان وطهران، بهدف تحويل النفط إلى وقود ومنتجات نفطية للاستهلاك الداخلي.
وتكشف هذه الخطوة عن مأزق متزايد، النفط الذي تستخرجه طهران من حقول الأحواز وغيرها لا يكفي أن يكون موجودًا تحت الأرض؛ فالقيمة الاقتصادية الحقيقية تتحقق عندما تستطيع الدولة نقله وبيعه وتحصيل عائداته.
ومع تعطل هذه السلسلة، تتحول الثروة النفطية من مصدر مستقر للعملة الصعبة إلى عبء على الإنتاج والتخزين.
العقوبات تضرب إيران:
الضغط الأمريكي لا يستهدف النفط الخام وحده، وإنما يمتد إلى شبكات الشحن والوسطاء والشركات والقنوات المالية التي تسمح لطهران بتحصيل عائدات مبيعاتها.
وهنا تظهر محدودية قدرة إيران على مواجهة العقوبات؛ فكلما اتسعت القيود على التصدير والتحويلات المالية، تقلص هامش المناورة أمام الحكومة، حتى مع امتلاكها احتياطيات نفطية ضخمة.
وتصبح طهران مضطرة إلى الاختيار بين خفض الإنتاج، وزيادة الاستهلاك المحلي، وتوسيع التخزين، والبحث عن مسارات التفاف أكثر كلفة ومخاطرة.
اقتصاد إيراني يفقد قدرته على امتصاص الصدمة:
تأتي أزمة النفط في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني أصلًا من ضغوط شديدة، مع تراجع التجارة الخارجية وارتفاع التضخم وتراجع تدفقات العملة الصعبة.
ومع استمرار العقوبات، يصبح تمويل النفقات الحكومية والعسكرية والأمنية أكثر صعوبة، خصوصًا أن انخفاض الإيرادات النفطية يضغط مباشرة على قدرة الدولة على توفير العملات الأجنبية وتمويل الواردات ودعم الاقتصاد المحلي.
وهكذا، تكشف أزمة النفط أن امتلاك إيران لحقول ضخمة، وبينها حقول الأحواز المحتلة، لا يعني امتلاكها قدرة غير محدودة على مواجهة الولايات المتحدة.
واشنطن تضيق الخناق.. وطهران تقلص خياراتها:
المعادلة الحالية توضح أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى إيقاف كل برميل من النفط الإيراني حتى تُحدث أثرًا كبيرًا؛ فتعطيل الشحنات الجديدة، وملاحقة الوسطاء، وتشديد القيود المالية، ورفع تكلفة عمليات الالتفاف على العقوبات، يمكن أن يحول النفط الإيراني من مصدر رئيسي للعملة الصعبة إلى نقطة اختناق اقتصادية.
وفي المقابل، تبدو خيارات طهران محدودة.. خفض الإنتاج، تخزين الخام، توجيهه إلى المصافي المحلية، أو المخاطرة بمسارات تصدير أكثر تعقيدًا وكلفة.
وبذلك تتحول ثروة الأحواز النفطية، ، إلى أحد أبرز مصادر تمويل الدولة الإيرانية، وفي الوقت نفسه ستصبح إحدى أكثر نقاط ضعفها عندما تتمكن واشنطن من تعطيل طريق النفط من الحقل إلى السوق.
وتكشف الأزمة في جوهرها أن ما تسمى بإيران، رغم امتلاكها موارد نفطية ضخمة، لا تملك القدرة الاقتصادية على تحمل حصار أمريكي طويل إذا نجحت واشنطن في خنق سلسلة النفط كاملة.. من استخراج الخام في الأحواز إلى تحميله وشحنه ثم تحصيل عائداته.





