مناهضون

حركة رواد النهضة لتحرير الأحواز

مكتب الإعلام

تقارير

حركة رواد النهضة .. صرخة الأحواز التي أقلقت طهران

مناهضون – تقرير تحليلي

 

لم تعد التقارير والبيانات الرسمية الصادرة عن مؤسسات دولة الاحتلال الإيرانية مجرد مواد إخبارية عابرة، بل تحولت، عند قراءتها في سياقها السياسي والأمني، إلى مؤشرات تكشف حجم القلق الذي يساور طهران من اتساع الحراك الأحوازي خارج حدودها. وبين الاتصالات الدبلوماسية، والحملات الإعلامية، والاتهامات الأمنية المتكررة، يبرز سؤال جوهري: لماذا باتت حركة رواد النهضة لتحرير الأحواز حاضرة بهذا الزخم في الخطاب الرسمي الإيراني؟ يحاول هذا التقرير تفكيك تلك المعطيات، وقراءة ما تقوله الوثائق الإيرانية نفسها عن التحولات التي تشهدها القضية الأحوازية، وانعكاساتها على المشهدين الإقليمي والدولي.

 

كيف تحولت تقارير النظام الإيراني إلى وثائق إدانة تكشف اتساع نفوذ «رواد النهضة الأحوازية»؟

هناك لحظات في الصراعات الطويلة لا يكون أهم ما يقال فيها هو ما يعلنه المنتصرون، بل ما يضطر المهزومون إلى الاعتراف به، ولو على هيئة اتهامات، أو بيانات احتجاج، أو حملات إعلامية تبدو في ظاهرها هجوماً، لكنها في جوهرها اعتراف غير مباشر بحقيقة لم يعد ممكناً إنكارها.

هذا تماماً ما تكشفه سلسلة المواقف الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة الإيرانية خلال الأشهر الأخيرة. فمن يتتبع البيانات الدبلوماسية، والتقارير الأمنية، والتغطيات الإعلامية الصادرة عن أجهزة النظام، يلاحظ أن اسم حركة رواد النهضة لتحرير الأحواز لم يعد يُذكر باعتباره حدثاً هامشياً، وإنما بوصفه ملفاً سياسياً وأمنياً يشغل دوائر القرار في طهران، ويفرض نفسه على أجندة السياسة الخارجية الإيرانية.

إن القراءة المتأنية لهذا المشهد لا تقود إلى استنتاج واحد فحسب، بل إلى حقيقة سياسية واضحة: كلما اتسعت حملة النظام الإيراني ضد الحراك الأحوازي، اتسعت معها مساحة الاعتراف الضمني بتأثيره.

وفي قلب هذا المشهد، يؤكد السيد ميثاق عبدالله، رئيس حركة رواد النهضة لتحرير الأحواز، أن الحركة لم تعد تخوض معركة إثبات الوجود، بل معركة استكمال مشروع التحرير، مشدداً على أن الضغوط السياسية والدبلوماسية لن تغير من الهدف الاستراتيجي المعلن، والمتمثل في تحرير الأحواز وإقامة دولة أحوازية مستقلة كاملة السيادة.

 

أولاً: حين تتحول الدبلوماسية الإيرانية إلى اعتراف بالعجز

في العلاقات الدولية، لا تتحرك وزارات الخارجية بسبب نشاط سياسي محدود، ولا تُجرى الاتصالات الرسمية الرفيعة بسبب قضية لا تمثل خطراً حقيقياً على المصالح الاستراتيجية للدول.

لكن ما حدث بين طهران وكانبيرا حمل دلالات مختلفة.

فبحسب ما أوردته وسائل إعلام إيرانية وتقارير رسمية، اضطرت الدبلوماسية الإيرانية إلى إثارة ملف النشاط الأحوازي مع الحكومة الأسترالية، في خطوة تعكس حجم القلق الذي بات يساور دوائر القرار الإيرانية من الحضور السياسي والإعلامي المتنامي للحركة داخل أستراليا.

ولا ينظر ميثاق عبدالله إلى هذا التحرك باعتباره نجاحاً دبلوماسياً إيرانياً، بل يراه دليلاً على عمق الأزمة التي يعيشها النظام.

ويؤكد أن طهران تلجأ بصورة متكررة إلى تصدير الأزمات الخارجية، واستخدام الملف النووي كورقة ابتزاز سياسي، للهروب من واقع داخلي يتسم بانهيار اقتصادي وإداري متسارع.

ويقول إن الأزمة الاقتصادية التي تعصف بإيران ليست نتاج العقوبات الدولية وحدها، وإنما نتيجة مباشرة لعقود من الفساد المؤسسي، وسوء الإدارة، واستنزاف ثروات الشعوب غير الفارسية، مضيفاً أن النظام كلما اشتد عليه الضغط الداخلي، سعى إلى خلق توترات إقليمية تمنحه فرصة لإعادة ترتيب أوراقه السياسية.

 

ثانياً: أمن مرتبك… وإرهاب يُصدَّر إلى الخارج

في الوقت الذي أخفقت فيه الأجهزة الأمنية الإيرانية في حماية أكثر منشآتها حساسية، وشهدت البلاد سلسلة من الاختراقات الأمنية والاغتيالات التي طالت شخصيات مرتبطة بالبرنامج النووي، اختارت السلطة توجيه الاتهامات إلى خصومها السياسيين، في محاولة لصرف الأنظار عن إخفاقاتها.

ويرى رئيس حركة رواد النهضة أن هذه السياسة ليست جديدة، بل تمثل نهجاً ثابتاً يقوم على صناعة روايات أمنية جاهزة، وربط أي حدث مسلح أو أمني بالحراك الأحوازي.

ويضرب مثالاً على ذلك بما جرى بعد هجوم الثاني والعشرين من سبتمبر، حيث يؤكد أن السلطات الإيرانية سارعت إلى إلصاق الاتهامات بالأحوازيين، رغم إعلان تنظيم داعش مسؤوليته عن العملية.

ويشدد عبدالله على أن المقاومة الأحوازية تختلف جذرياً عن التنظيمات المتطرفة، قائلاً إن الشعب الأحوازي لا يتبنى ثقافة استهداف المدنيين أو العمليات الانتحارية، وإن قضيته تستند إلى حق شعب واقع تحت الاحتلال في الدفاع عن وجوده وهويته.

ويمتد حديثه إلى الدور الإقليمي لإيران، متهماً طهران باستخدام الميليشيات المسلحة وأدواتها الأمنية لزعزعة استقرار عدد من الدول العربية، وإشعال الصراعات الطائفية بما يخدم مشروعها التوسعي.

 

ثالثاً: سقوط الخطاب الديني أمام واقع التمييز العنصري

لسنوات طويلة، قدمت إيران نفسها باعتبارها المدافع الأول عن قضايا الأمة الإسلامية.

غير أن الوقائع داخل حدودها ترسم صورة مختلفة تماماً.

فبينما يرفع النظام شعارات نصرة المستضعفين، تمارس مؤسساته ــ بحسب شهادات وتقارير متعددة ــ سياسات تمييز قومي ومذهبي ضد العرب والبلوش وغيرهم من الشعوب غير الفارسية.

ويشير ميثاق عبدالله إلى أن هذه المفارقة تكشف الطبيعة الحقيقية للنظام، موضحاً أن استخدام القضية الفلسطينية في الخطاب السياسي الإيراني لا ينعكس على سياساته الداخلية تجاه الشعوب الواقعة تحت سلطته.

ويضرب مثالاً بالعاصمة طهران، حيث يعيش ملايين المواطنين من أهل السنة، في وقت لا توجد فيه مساجد سنية رسمية، فضلاً عن حوادث هدم عدد من دور العبادة في مناطق أخرى.

ويرى أن هذه السياسات تكشف أن معيار الانتماء الحقيقي داخل النظام ليس الانتماء الإسلامي، وإنما الانتماء القومي الفارسي، وهو ما أدى إلى تنامي حالة التضامن بين الأحوازيين والبلوش وسائر الشعوب التي تواجه سياسات الإقصاء.

 

رابعاً: ثروة تُنهب… وشعب يُترك للعطش

قد تكون المفارقة الأكثر قسوة في الأحواز أن الإقليم الذي يشكل القلب الاقتصادي لإيران، يعيش سكانه أوضاعاً معيشية هي من بين الأسوأ داخل البلاد.

ويؤكد ميثاق عبدالله أن القسم الأكبر من موارد النفط والغاز والمياه والثروات الطبيعية يقع في الأحواز، بينما لا تنعكس هذه الثروة على حياة السكان الأصليين.

ويقول إن السياسات الحكومية اعتمدت، منذ عقود، على تحويل المياه إلى المحافظات الفارسية، وإقامة مشاريع تهدف إلى تغيير البنية السكانية للإقليم، الأمر الذي أدى إلى تفاقم التصحر، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وحرمان كثير من المناطق من أبسط مقومات الحياة، بما في ذلك مياه الشرب.

ويرى أن ما يجري لا يمكن فصله عن مشروع سياسي طويل الأمد يستهدف إضعاف الوجود العربي في الأحواز عبر أدوات اقتصادية وديموغرافية متزامنة.

 

خامساً: أستراليا… حيث انتقلت المواجهة إلى الساحة الدولية

لم تعد المواجهة بين الحركة والنظام الإيراني تقتصر على الداخل الأحوازي.

ففي أستراليا، حيث تنشط قيادات الحركة في المجالين السياسي والإعلامي، بدا واضحاً أن طهران تنظر إلى هذا الحضور باعتباره تحدياً مباشراً.

وقد عكست تقارير صادرة عن وسائل إعلام إيرانية، من بينها وكالة تسنيم، ونور نيوز، ووكالة أنباء الطلبة الإيرانية، اهتماماً متزايداً بالنشاط الأحوازي في أستراليا، مع توجيه انتقادات متكررة للحكومة الأسترالية بسبب ما وصفته بعدم اتخاذ إجراءات ضد تلك الأنشطة.

ومع فشل الضغوط السياسية والإعلامية، انتقلت طهران إلى مسار آخر تمثل في توظيف الخطاب القضائي ورسائل صادرة باسم كيانات مرتبطة بملفات الإرهاب، في محاولة لإحراج السلطات الأسترالية والضغط عليها.

إلا أن هذه المحاولات، بحسب رؤية الحركة، لم تحقق أهدافها، بل أسهمت في لفت الانتباه بصورة أكبر إلى القضية الأحوازية داخل الأوساط السياسية والإعلامية الغربية.

 

سادساً: سياسة الترهيب… حين تتحول التهديدات إلى دليل على الفشل

كلما ضاقت الخيارات أمام الأنظمة السلطوية، اتسعت دائرة الضغط على المعارضين.

وهذا ما يراه ميثاق عبدالله في تعامل السلطات الإيرانية مع النشطاء الأحوازيين.

فبدلاً من مواجهة الخطاب السياسي بالحوار، تلجأ الأجهزة الأمنية ــ بحسب الحركة ــ إلى استهداف عائلات النشطاء داخل الأحواز، وفتح ملفات قضائية بحقهم، ومحاولة ممارسة الضغوط النفسية عليهم في الخارج.

غير أن هذه السياسات، كما يقول عبدالله، لم تؤد إلا إلى مزيد من الإصرار على مواصلة العمل السياسي.

ويختصر موقف الحركة بعبارة تحمل دلالة رمزية واضحة:

“محاولات التخويف والترويع لن تجدي نفعاً معنا… نحن نعيش إما أعزاء أو تحت الأرض شهداء.”

ويضيف أن القضية الأحوازية ليست قضية أفراد أو قيادات، بل قضية شعب بأكمله يسعى إلى استعادة حقوقه السياسية والوطنية.

 

الخلاصة… عندما تصبح اتهامات الخصم شهادة على نجاحك

قد تختلف الروايات السياسية حول كثير من الملفات، لكن ما يصعب تجاهله هو أن النظام الإيراني لم يعد يتعامل مع حركة رواد النهضة لتحرير الأحواز باعتبارها مجرد تنظيم تحرري أحوازي في المنفى.

فمن متابعة الخطاب الرسمي الإيراني، يتبين أن الحركة أصبحت حاضرة في ملفات السياسة الخارجية، وفي تقارير الأجهزة الأمنية، وفي تغطيات وسائل الإعلام المرتبطة بمؤسسات الدولة، وهو حضور يعكس ــ بصرف النظر عن توصيفاته ــ إدراكاً رسمياً لتنامي تأثيرها.

ومن هذه الزاوية، تبدو الحملات الإعلامية، والضغوط الدبلوماسية، والاتهامات الأمنية، وجهاً آخر لاعتراف غير مباشر بأن القضية الأحوازية استعادت مكانها على الأجندة الإقليمية والدولية، وأن الصوت الذي حاولت طهران إسكاته لعقود، بات أكثر حضوراً خارج حدودها من أي وقت مضى.

 

ويبقى السؤال الذي تفرضه الوقائع أكثر من أي خطاب سياسي:

إذا كانت هذه الحركة بلا تأثير كما تقول طهران، فلماذا تستنفر من أجلها وزاراتها، وأجهزتها الأمنية، وإعلامها الرسمي، وتحمل ملفها إلى عواصم العالم؟

ذلك السؤال، في حد ذاته، قد يكون أكثر بلاغة من كثير من الإجابات.

 

المصادر الإيرانية الرسمية:

وكالة تسنيم للأنباء

وكالة راسا الإخبارية

وكالة نور نيوز الإخبارية

وكالة مهر للأنباء الإيرانية

المركز الإيراني لدراسات الإرهاب

موقع السفارة الإيرانية في كانبيرا

بيان وزارة الاستخبارات والأمن الوطني الإيراني

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *