مناهضون
لم يقتصر مشروع السلطات الإيرانية في الأحواز على السيطرة السياسية والأمنية والاقتصادية، بل امتد إلى الجغرافيا والذاكرة والاسم، عبر تغيير أسماء مدن ومناطق عربية تاريخية وإحلال تسميات فارسية محلها، في سياسة يرى نشطاء أحوازيون أنها تستهدف إضعاف الهوية العربية للإقليم وقطع الصلة بين السكان وتاريخ أرضهم.
وتعود جذور هذا الملف إلى مرحلة إخضاع الأحواز للحكم الإيراني في عشرينيات القرن الماضي، حين بدأت عملية إعادة صياغة المجال العام في الإقليم بما يتوافق مع هوية الاحتلال المركزية في طهران. ومن بين أبرز مظاهرها تغيير أسماء المدن والبلدات والمواقع الجغرافية ذات الجذور العربية.
تعد المحمرة أحد أشهر الأمثلة على تغيير الأسماء؛ إذ تستخدم السلطات الإيرانية رسميًا اسم «خرمشهر»، بينما يواصل الأحوازيون استخدام الاسم العربي التاريخي للمدينة.
والأمر ذاته ينطبق على الفلاحية التي تعرف رسميًا باسم «شادكان»، في حين بقي الاسم العربي حاضرًا في الذاكرة المحلية وخطاب أبناء المنطقة.
ولم تكن هذه التغييرات مجرد إجراءات إدارية، وإنما جاءت ضمن مسار أوسع لإحلال المصطلحات والأسماء الفارسية محل التسميات العربية التي ارتبطت بالمدن والقرى والأنهار لعقود طويلة.
تغيير الاسم.. تغيير الرواية:
تكمن خطورة هذه السياسة تكمن في أن الاسم يمثل أكثر من عنوان على الخريطة؛ فهو يحمل تاريخ إقليم الأحواز المحتل وانتماء سكانه وذاكرتهم الجماعية.
وبحسب هذا الطرح، فإن استبدال الاسم العربي باسم فارسي ثم فرضه في المدارس والوثائق الرسمية والخرائط ووسائل الإعلام يؤدي مع مرور الوقت إلى إضعاف حضور الاسم الأصلي لدى الأجيال الجديدة.
وبذلك يصبح تغيير أسماء المدن جزءًا من معركة أوسع على من يملك حق تعريف المكان وكتابة تاريخه.
ويأتي ملف تغيير أسماء المدن، وفق منتقدي السياسات الإيرانية، بالتوازي مع قضايا أخرى تتعلق بالهوية العربية في الأحواز، من بينها القيود المفروضة على استخدام اللغة العربية في التعليم والحياة العامة، والتهميش الاقتصادي، والاعتقالات والقمع الأمني، فضلًا عن أزمات بيئية ومائية متكررة.
ويقول نشطاء إن اجتماع هذه السياسات يخلق ضغطًا متواصلًا على الهوية المحلية، بحيث لا تستهدف السلطات الأرض فحسب، وإنما اللغة والذاكرة والرموز التي تربط السكان بها.
أسماء عربية تقاوم على الخريطة:
ورغم اعتماد الأسماء الفارسية في المؤسسات الرسمية، ما زالت التسميات العربية التاريخية متداولة بين قطاعات من سكان الأحواز المحتلة، الذين يعتبرون استخدامها وسيلة للحفاظ على هويتهم ورفض محو الذاكرة المحلية.
فالمحمرة تبقى المحمرة في الذاكرة الأحوازية، والفلاحية تبقى الفلاحية، حتى لو تغيرت التسميات في الوثائق الرسمية.
معركة تتجاوز الحروف:
لا تبدو معركة الأسماء في الأحواز مجرد خلاف لغوي، بل تعكس صراعًا أوسع حول الهوية والتاريخ والسيادة على الذاكرة الجغرافية.
فمن وجهة نظر المنتقدين، عندما تُستبدل أسماء المدن العربية التاريخية بأسماء فارسية، فإن الأمر لا يتعلق بتغيير كلمات على الخرائط، بل بمحاولة إعادة تعريف الإقليم وسكانه وتاريخه بما يتوافق مع الرواية المركزية للنظام الإيراني.
ولهذا تحولت الأسماء العربية في الأحواز إلى رمز للمقاومة الثقافية؛ فالحفاظ على الاسم بالنسبة إلى كثير من الأحوازيين هو حفاظ على ذاكرة أرض يحاول النظام الإيراني، بحسب نشطاء أحوازيين، إعادة رسم هويتها بالقوة.





